rigala

جميل جدا
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 Θ●Θ عذابــــــــ الحبـــــــــــــــــــــــــــــ - قصة جماعية Θ●Θ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
manosha

manosha

المساهمات : 34
تاريخ التسجيل : 14/03/2013

مُساهمةموضوع: Θ●Θ عذابــــــــ الحبـــــــــــــــــــــــــــــ - قصة جماعية Θ●Θ   الأربعاء مارس 20, 2013 11:35 am

ارتدى سامر معطفه الأسود الذي استحال الى لون رمادي غامق تتخلله بعض البقع هنا وهناك بفعل القدم , الأكمام صارت مهترئة بعض الشيء والجيوب فيها ثقوب مرقعة ....تناول فطوره الصباحي الذي كان بيضتين مغمستين في زيت الزيتون مع تمرتين وقطعة خبز صغيرة بما يكفي أن يسد رمقه ليقاوم مشقة يوم جديد , يوم مصيري في حياته الكئيبة فهو يستعد لاجراء اختبار هام في مادة الفيزياء وعليه أن يجتازه بتفوق , كيف لا وهو الذي كان يأتي في صدارة الطلاب كل سنة وينال دائما تقدير أساتذته و اعجاب أصدقائه وغيرة حساده ..
قبل أن يخرج طلب من أمه مصروف جيبه , كان دائما يتحرج من كثرة طلباته فأمه امرأة مسنة وتشتغل خادمة في منازل الأثرياء ووالده رجل مسن مقعد لا يستطيع الكلام بعد أن باغتته جلطة دماغية شلته عن الحركة وجعلته أشبه برجل حي ميت ...
داهتمه بعض الأفكار السوداء في طريقه الى غرفة أمه , تذكر كيف فكر في الانقطاع عن الدراسة حتى يعين أسرته واخوته الصغار وكيف ذرفت أمه دموعا حارقة وهي تنهاه وتصرخ بأن لا سبيل الى ذلك فهي تهبه حياتها ولا تجعله يغادر مقاعد الدراسة في سنت التخرج ..
قبل أن يخرج قبل سامر جبين أمه بعد أن أخذ منها بعض الدراهم ووعدها بأن يعوضها عن كل سنوات الشقاء والحرمان ...
وما ان فات عتبة الباب حتى كلمه صديقه جوهر , على جهاز الموبايل وطلب منه أن ينتظره قرب الحديقة العامة لأنه سيأتي بسيارته المرسيدس ويوصله للكلية ..
كان جوهر شابا وسيما وثريا , بل فاحش الثراء فوالده هو رجل الأعمال المعروف مالك أبو سحابة , الذي كون ثروته الهائلة من تجارة السيارات , لكن الكثير من الناس تتهامس سرا بأنه يمارس أنشطة ممنوعة , فضلا عن أنه ثري كان جوهر شابا مغرورا ومتكبرا ولولا أنه كان متعثرا في الدراسة لما صاحب ذلك الشاب البائس المعدم ذو الأصل الوضيع , لكن ما العمل فأية غاية خسيسة تبررها وسيلة أخس منها .
ركب سامر السيارة مع " صديقه " جوهر , لكن قبل أن يتجها الى الكلية تذكر جوهر أنه نسي بعض الأغراض في المنزل ..
وما هي الا لحظات حتى توقفت السيارة أمام فيلا بل قصر كبير فخم , فيه حديقة شاسعة ومسبح , دلفا غرفة الاستقبال فطلب جوهر من سامر أن ينتظره قليلا ريثما يحضر أغراضه ..
ظل سامر مشدوها وهو يتأمل الأثاث الفاخر , والترف الظاهر في كل زوايا الغرفة , سرح بمخيلته الى عالم آخر فتخيل نفسه وهو لابس بدلة من الحرير وساعة ذهبية "رولاكس" ومتعطر بعطر دراكار نوار وتحيط به الحسناوات , وبينما هو غارق في تلك الخيالات اللذيذة اذ وقع ناظره على فتاة وهي نازلة من الدرج , ظن لوهلة أنه مازال يحلم لكن حين رآها تقترب منه تيقن أن الأمر حقيقة لا يشوبها أي غبار , لم تكن فتاة عادية بل فتاة في هيأة ملاك , شعرها أسود فاحم منسدل على كتفيها وعيناها بلون السماء الزرقاء وخدودها حمراء كتفاح الجنة وبشرتها بيضاء ملساء ناعمة كنعومة الحرير وقامتها هيفاء .. ظل ينظر في عينيها وهي تنظر في عينيه وتبتسم .. هل هو الحب من أول نظرة ؟ .. الحب الذي لم يذق طعمه ولا مرة ؟ ..


تسمر سامر في مكانه ,وشعر بنبضات قلبه تزدادُ وتيرتها ,فدنت منه بضع خطوات , وقالت له: صباح الخير..
رد عليها التحية ... أتى صوته لاهثا كأنه قطع نصف ماراثون فيما يداه شرعتا في محاولة غبية لتعديل هندام غير قابل للتعديل أصلا!
علا حاجب مخاطبته باستطلاع و هي تدنو منه ، و كان جليا أنها تكبح ضحكتها من الانطلاق لسبب و لا تجد حرجا في أن تميل ابتسامتها بشكل ساخر و صارخ لسبب آخر !
" لا تفترسيه !! "

قفز سامر في مكانه لدى سماعه صوت صديقه المتهكم و ما كاد يلتفت بحثا عن اتجاه مصدر الصوت حتى كان جوهر يعبر من أمامه في اتجاه الباب و هو يرمق شقيقته بنظرة لم يفهم منها شيئا..بدا كأن حوارا مشحونا يدور بين الإثنين بصمت أثار ضجيجا في رأس هذا المسكين ..

رمت الفاتنة بشعرها الفاحم خلف كتفها بحركة ازدراء شديد لم يدري أهو المقصود بها أم جوهر قبل أن ترمقه بنظرة أخيرة و ترفع صوتها أكثر كي يسمعها شقيقها المغادر

" لم أكن أعرف أنك قديس ! "

" هيا بنا سامر .. تحرك !! "
كان كجلمودِ الصخر, لم يحرك ساكناً , مضت من أمامه كطيفٍ شارد, أو حلمٍ جميل ....تركت خلفها أريج عطرها , وجمال ظلالها ....
كانت عيناها الزرقاوين , تنضحان بالحياةِ ..
وكانت تحيتها الصباحية , كأنغامٍ لها لحن جميل , ممتلأ بالعذوبة ِ والرقة.
وانطلقا خارج البيت , ولكن سامر لم يكن في حالة طبيعية, فتأثير ذاك الملاك إستحوذ عليه....لم يُصدق يوماً ان هناك حباً من النظرة الأولى , وهو الذي لم يخض يوماً تجربة الحب ..ولم يدرك ان هذا هو الحب بعينه , فضيق الوقت ,و مباغتة صديقه له وهو في خضم هذه الحواس , أربكته ولم يجد وقتاً ليفسر أحواله....
كانت لديه رغبة لسؤال صديقه عن هذا الملاك , إن كانت أخته , أو قريبته , ولكنه إمتنع , فمن غير اللائق سؤال رجل عن أخته, معتقداً ان هذه الطبقة ,لديها الغيرة والحمية على أعراضهم كما الطبقة الفقيرة...
ركبا السيارة , وبادره جوهر بالسؤال: ما بكَ يا رجل؟
أجابه بتساؤل : ما بي.......!؟
قال جوهر: لا أعرف اشعر وكأن خطباً ألمَّ بك...
فرد سامر كمن ينفي تهمة: لاشيء ....لا شيء البتة....
فقال جوهر: لا تقل لي انك لم تُذاكر الاختبار جيدا...وغمزه ضاحكاً, أنت تعرف أنني معتمد عليك , ولم أدرس منه شيئا.
ووالدي قد توعدني إن رسبت سيقطع المصروف عني ...وأطلق ضحكة عالية .....
فرد عليه سامر بإبتسامةٍ تغلب عليها المرارة :لا تقلق يا صديقي ... فقد ذاكرته جيداً فلا تخف...لن ينقطع عنك المال, ولكن ادع الله أن لا تكون المراقبة مشددة أثناء الاختبار ...
فسامر يدرك سبب صداقة جوهر له , فهو يعرف أن أمثاله من الطبقة المخملية, لا يمكن ان يصاحب بائسا مثله , إلا لمصلحة ما
,ولمآرب خاصة ,وصلا الى الجامعة , وأنهيا الإختبار بسلام ودون أي مشاكل ...
وافترقا الصديقان كلٌ في حال سبيله , فجوهر انتهت حاجته من سامر وإنطلق حيث مكانه, وأصدقاؤه , في حين سار سامر على غير هدى , يفكر بذاك الملاك الجميل , ومدى تأثيره عليه....
عاد يبحث عن صديقه , فوجده قد غادر الجامعة , لم ينتظره حتى ليُعيده لمنزله! ...
فلم يكترث , ولم يتفاجأ ,فقد إعتاد منه هذا التصرف..
عاد لبيته , مُحملاً بحسٍ جديد,لم يراوده يوماً ,ومسحة من تعب , كان يومه شاقا وطويلا,وكان البؤسُ يتملك روحه , ويلثم نبضه, لم يتيقن أن ما يشعر به, هو الحب بعينه , ولم يدرك بعد ماهية تلك المشاعر التي إجتاحته على حين غرة...
دخل بيته الكئيب , لم تكن والدته قد عادت من عملها, وكان والده يجلس وحده في ركن البيت , واخوته يلعبون خارج المنزل مستغلين عدم وجود أمهم بالبيت, جلس بجانبه والده , وقلبه يكاد ينفطر عليه , وعلى وحدته....
سأله: كيف حالك يا أبي؟
فهز برأسه بإدعاء إنه جيد...
فعاد وسأله : هل أحضر لك شيئا تأكله؟
فهز رأسه بالنفي ..
نهض سامر وذهب لغرفة نومه , والتي يشاركه بها اخوته ,كان بحاجة لبعض الخلوة , ويحتاج لبضع الوقت ليفكر .
كان يتضور جوعاً, ولكن بوضع لا يسمح له بتحضير الطعام ,فتلك الفتاه التي ظهرت له , قلبت أحواله, وكيانه..
لم يكن يدرك سامر انه في طور دخوله لعذاب جديد , عذاب يختلف عن شقائه المألوف, عذاب من نوع آخر .
خيالاته ذهبت به بعيدا , تخيل نفسه مرتبطا بتك الفاتنة فوقتها سيشعر بجحيم أحوالهم التعيسة , وسيلمس الفوارق الطبقية ,والعنصرية الإجتماعية, سيراوده الشعور بالتقزم والدونية ,بطريقة تختلف عما كان يشعر به سابقاً , سيبدأ بالتمرد على حالهم , وأحوالهم وسوء أوضاعهم , والتي ستحكم عليه بعذاب حبٍ سيكون مستحيلا ....


كانت الغرفة التي علتها نتوءات بل شقوق من أثر الرطوبة تكاد تدخل بعض الضوء, تشبه حياته ولباسه وحتى وجه أمه الذي تعتليه تقطيبه دائمة ..
تلك الام التي وجدت نفسها أما وأبا ..
بقدر ما فيها من الحنان والحب والعطف بقدر ما كانت تقاوم كل تلك المشاعر لتبدو قوية حاسمة وصارمة ..
لو كانت هنا لما تجرأ الصغار على اللعب في الشارع ..ولكانوا هنا يقومون بواجباتهم الدراسية..لله درك من امرأة بمئة رجل ..ولكنها ملاك تلك الفتاة ملاك يا سامر ..
هز رأسه كأنما اصيب بالحمى ..ماذا يحصل هل أهلوس ما دخل أمي بها كيف جعلتني أسيرها وأنا الذي كنت دائما حرا , منطلقا , وغير مبال ؟
جلس على حافةِ سريره المُتآكل , وثيابه القديمة متناثرة في كل مكان بلا نظام وبفوضى تحاكي حياته .. وضع يديه على رأسه, يخفي وجهه بين كفيه, وكأنه يخفي عن عينيه ملامح فقره,لا يريد ان يرى بؤسه المتجسد بكل ركنٍ وبكل زوايا بيته.....
فعاوده التفكير بذاك القصر الفخم, وبتلك الفتاة الفاتنة , التي ظهرت فجأة في حياته فتركت قلبه جوارها ومضت....
تحرك بتلقائية من مكانه , وكأنه لم يعد يتحمل الجلوس , أو يرغب بالهروب من أفكاره ,لا يرغب أن يفكر بشيء, ولا يرى شيئا, تمشى بضع خطوات بغرفته الصغيرة , كان زفيره ساخناوأنفاسه لاهثة, يزمهرُ غلياناً ,بفعلِ حزنٍ إنغمس بين أضلعه ...
وجد نفسه أمام المرآة , التي بالكاد يستطيع أن يرى ملامح وجهه بها, وكأنها من العصر الحجري, جللتها أكوام الغبار , وكل إنعكاساتها بدت هُلامية , تتلاشى الملامح بها , إقترب منها أكثر محاولا تبين ملامح وجهه الجميل والشاحب في آن واحد...تكاثرت دلالات الصورة الضبابية, وبدت صورته وكأنها مشوهة ..
إبتعدَ نافراً من منظره بالمرآة , وعاد للجلوس على سريره, ليسمع صوت صرير باب البيتِ وهو يُفتح, وصوت أمه يعلو بالبيت تنادي أولادها اللاهين بالخارج, نهض مُتثاقلاً خارجاً من غرفته
فبادرته أمهُ بالسؤال بمجرد رؤيته: كيف كان اختبارك يا ولدي ؟
تنهد سامر وتذكر أنه قد خضع اليوم لإختبار, فأجابها: جيد يا أمي, كيف حالك؟ ....
إعتاد سامر ان يسأل والدته هذا السؤال يومياً, لشعوره أن والدته لن تصمد أمام عبىء العمل والارهاق الشديد ..
هي ليست صغيرة في السن, فهو يشعر في قرارةِ نفسه أنها ستتهاوى أمام قسوة ظروفهم ,وجبروت فقرهم المدقع.
أجابته والدته: بخير لا تقلق علي ..هل أنت جائع؟
أجابها : لا تهتمي للأمر ...
فهو يعرف أنها لم تحضر شيئا لطعام الغداء..
قالت له: دقائق وسأحضرُ لكم الطعام....فلم يعلق ..
جلس بجوار والده من جديد وأمسك بيده شبه الميتة..وكأنه يريد أن يشعره بأهمية وجوده في حياتهم...كان يتلافى النظر في وجهه ...
كانت أمه تثرثر وهي منهمكة في تحضير الطعام , تخبرهُ عن أحداث يومها , وما قالت لها سيدة البيت التي تشتغل عندها, وكيف تصرفت معها , فكان حديث أمه , كسياط تنهال عليه بقوة فتلسعه ,لم يعد يقو على سماع المزيد, فنهض مسرعاً , مُتجهاً نحو الباب, فنادته والدته: أين تذهب....؟
ضع الطعام لاخوانك وكل أنت ايضا, تحتاج للغداء لديك الكثير من المذاكرة .. يجب أن تهتم بصحتك ..
أجابها وهو يفتح الباب وصرير صوت البابِ الخشبي القديم , يطغى على صوته, سأخرجُ قليلاً ثم أعود.....
ولم ينتظر ليسمع جوابها ,رغم أنه سمعها تتكلم, خرجَ مُسرعاً , بخطواتٍ مندفعةٍ هوجاء, مشى في الزقاق الضيق , وأصوت الفتية تضج بأُذنيه , يريد أن يبتعد عن هذا المكان, عن هذا الزقاق اللعين الذي تملؤه الحفر وبرك الماء التي لا تجف , كانت لديه رغبة بأن يركلها , أن يصرخ , أن يبكي ....

وصل لنهاية الزقاق ,حيث الشوراع الفرعية فانبلجت معالم أخرى للحياة .. لا تُقارن بمن يعيش بزقاق البؤساء أمثاله , والأشقياء الذين جاؤوا مرغمين لهذه الحياة, والتي لفظتهم في مكبها بين رُكام البيوت المُتلاصقة والمتداعية ..
وضع يديه في جيبه ,وأخذ نفساً عميقاً, وكأنه كان سجين ذآك الزقاق وأُطلق سراحه ....
ليعاوده السؤال على حين بغتة....ما الذي حصل له...؟
وما الذي أدخله في إضطراب نفسي , وبهذه الحالة غير المألوفة...؟ و ماهذا الشعور العاصف الذي إجتاحه....؟
هل رؤية بيت جوهر هو السبب الذي أشعره بمدى ضآلته.؟ أم السبب تلك الفتاة ...والتي ظهرت له كسندريلا , سرعان ما إختفت لما داهمها الوقت ...والتي جعلته يُقارن وضعه ووضعها بل وضع سائر الأغنياء الذين اختارهم القدر أن يكونوا كذلك..هذا الاحساس الغبي بالعجز كان يشعره بحجمه الحقيقي , ووضعه الدوني , والذي لا يعطي أي حقٍ لأمثاله بالنظر للأعلى ...
تسارعت خطواته , مع وتيرة تلك الافكار التي تتزاحم في رأسه , وكأنها صرخاتٌ قاتلة...

إستعذب ولوج الفتاه لفكره , حيث تذكرها بضحكتها الجميلة, وصوتها الموسيقي, وشعرها الغجري المنساب كشلالٍ هادر على ظهرها ....
فشعر بالدفئ يسري في جسده, وبقشعريرة تدك أوصال حسه .
عم الصمتُ كيانه ...مُتسائلاً ...كيف سأقابلها مرة أخرى ..؟ وهل ستقودني الصدفة لرؤيتها من جديد ..؟
هل أذهب لبيت جوهر مُتذرعاً بحجة ما...؟
أم أستدرج جوهر للحديث عنها , ومعرفة بعض المعلومات , وبأي جامعة تدرس , كي أذهب وأكحل طرف عيني برؤياها ......




عاد سامر في منتصف الليل بعد أن أنهكه الاعياء والتفكير وانهار على فراشه كجثة هامدة .. أغمض عينيه محاولا النوم ليهرب من معاناة الأفكار المزدحمة في رأسه والتي تشعره بالدوار ..
في الصباح الباكر إستيقظ سامر على صوت أُمه , وهي تنادي أشقاءه , تستنهضهم للذهاب الى المدرسة, حاول أن يغفو من جديد..فالأرق والسهاد وطول التفكير سرقوا النوم من عينيه,
والإحساس بالضعف ,جعل من الحزن منظومةً متواصلة من العذاب وشعوره بقهر الفقر, كان كحربٍ ضروس على كل شيء بداخله....

تقلب سامر يمنة ويسرة, كي يتخلص من كل هذه المشاعر التي إجتاحته ...حاول أن يبقى بالسرير, لحين خروج أمه للعمل, فلم يكن بحالة تسمح له ,برؤية المزيد من مظاهر المعاناة ,وتردي الأحوال..
وبقدر ما كان يريد تحرير نفسه من هذا الكفن الأبيض الملقى عليه عله يتخلص ولو قليلا مما تمكن منه طوال ليلة الأمس ، إلا أنه فضل حبس نفسه في غرفته مدعيا النوم لحين خروج أمه الى العمل على الأقل .

هدأت الأصوات في الخارج و تخيل أن الجميع قد انصرفوا . لبس ثيابه على عجل و مضى في اتجاه الباب و هو ما يزال يزرر قميصه .
" ألن تتناول فطورك ؟ "
باغته صوت أمه و جعله يقفز في مكانه ، أما محاولته لتفسير رد فعله فكانت الغباء بعينه!
أخبرها أن أحدهم في انتظاره و انصرف خارجا من البيت فيما ظلت كلمات والدته تطارده بالأسئلة ، اسئلة لا يرغب بالإجابة عليها ، فشعوره بأنه يعيش في قعر الحياة بتكرار و ملل كان ينهش روحه .
التواجد في أروقة الجامعة لا يعني أن شيئا تغير في الحقائق الأساسية لحياته ، و مع ذلك كان يجد بعض السلوى في عيون الزميلات اللواتي يرمقنه بإعجاب لا تخطئه العين. و للأسف لم يعانق سلواه سوى لدقائق معدودة، إذ سرعان ما التحق به جوهر مبتسما.
" أنت هنا !! " قالها هذا الأخير و هو يضرب على رأس رفيقه بحزمة أوراق ثم استطرد متسائلا " هاه ؟ ما الأخبار ؟ "
" نجحنا "
" و لم أنت تعيس ؟! من منا حصل على المعدل الأعلى ؟ "
راقب سامر ابتسامة خبث ترتسم على وجه الآخر قبل أن يهز كتفيه بلا مبالاة فهو يعلم أن الاختبارات لم تنته بعد ..
" تبا ..! .. انهض ، علي اخراجك من هذا المزاج اللعين" قالها جوهر بحزم و هو يسحب سامر من ذراعه .

قطعا المسافة في اتجاه موقف السيارات المقابل للجامعة بخطوات سريعة . جوهر يسير في المقدمة بثقة و نوع من الخيلاء ، و سامر و سحابة العطر التي يضعها الأول يلاحقانه بخطوات مهرولة مرتبكة . ما كادا يصلا للسيارة التي بدأت تلوح على بعد خطوات ، حتى استوقف جوهر رفيقه بعبارة بدت أشبه ما تكون بالأمر : " ما يحدث في الجامعة يبقى في الجامعة " و بيده لوح بإشارة تعني أطبق فمك جيدا .. " ستركب في الخلف !"

يبدو أن الخطوات القليلة التي كانت متبقية للوصول للسيارة لم تكن كافية ليستعد سامر للمفاجأة .. انتفض قلبه في نبضات عشوائية غير منتظمة ، شعر بموجة كهرباء تسري بجسده و عربد صوت ساخر بداخله
" ليس عليك أن تقول لي أطبق فمك، أنا أعجز عن النطق بمجرد أن أراها "

" أو لست أنت الذي أتيت المرة الماضية لمنزل جوهر أم أنا مخطئة ؟! " قالتها بنبرة تساؤل طغى عليها نوع من التعجب والارتياح و هي تراقبه يدلف للسيارة
" صباح الخير آنستي , نعم أنا هو , اسمي سامر تشرفت بمعرفتك وتسعدني رؤيتك مرة أخرى " لم يكد المسكين يستنفد جرعة الثقة التي منحها له سؤالها وابتسامتها الأنيقة حتى قاطعه جوهر مخاطبا إياها و هو ينطلق بالسيارة
" سنوصلك ثم نذهب نحن "
" والدك قال أنك سترافقني !"
" والدي قال .. لماذا لم يرافقك هو ؟! " رد عليها بنفاد صبر

" والدك ،، لقد قال والدك " .. توقف عقل سامر عن تلقي بقية الحوار و علت الدهشة وجهه .. و لم يدرك أن ردات فعله مفضوحة لذاك الحد إلا حين نهره جوهر فجأة : " ما خطبك أنت اليوم ؟ " و فجأة وجد نفسه محاصرا بأربع عيون متفحصة!

ركز نظره على نظرات جوهر الفاحصة التي تراقبه من المرآة الأمامية العاكسة في محاولة عقيمة لتفادي أثر نظرات الفاتنة التي استدارت تطل عليه من خلف المقعد ، ازداد جنون ايقاعات نبضه و بدا أن حنجرته عالقة في مكان ما في حلقه..
" هل أنت بخير ؟ تبدو مريضا ! "
توقع أن يضحك عليه جوهر ، أن تسخر منه هي ، أن يتجاهلا حاله ببساطة و يعاودا جدالهما .. توقع أي شيء إلا هذا السؤال الذي اعتصرت رقته و عذوبة صوت قائلته قلبه.. و لثوان قليلة تلاقت فيها نظراتهما لمح هو في عينيها كل أحلام نومه و يقضته معا !

" انزلي .. سأعود لآخذك لاحقا" أتى صوت جوهر الفظ و طريقته الرعناء في الضغط على فرامل السيارة كرنين جرس الواقع .
نزلت الشابة بانكسار دون أن تنبس بكلمة ، و تحرك سامر من مكانه خارجا ليأخذ مكانها .. عند باب السيارة رمقته بنظرات حائرة وغامضة فيها الكثير من المعاني والألغاز !
عاد سامر الى المنزل بعد أن أعلمه جوهر أنه مدعو لحفلة صاخبة في منزله بمناسبة انتهاء الامتحانات .. في الأثناء كانت الأفكار الغريبة والمشاعر المتناقضة تتزاحم في رأسه . مكث في المنزل بعض الوقت ثم قرر الذهاب الى المقهى المجاور عله ينسى تلك الارهاصات التي تعتمل كيانه وترهق تفكيره ..
أخذ مقعدا في زاوية من زوايا المقهى , وما ان جلس حتى أتاه النادل أو العم محمود كما يحلو لرواد المقهى مناداته .
" أهلا بك يا سامر , أتطلب شيئا ؟"
أجابه سامر وفكره شارد " أريد نرجيلة بنكهة التفاح وكأسا من الشاي .."
أومأ العم محمود برأسه في حركة تدل على تعجبه , فالكل يعلم أن سامر ليس مدخنا ..
تناول سامر النرجيلة وأخذ أنفاسا عميقة وأخرج الدخان من فمه , كان الدخان يخرج في شكل دوائر رمادية متشابكة تحاكي عمق مأساة سامر وتزيد من حدة الأسئلة الوجودية التي تتقاطع في فكره , ظل سامر ينظر الى سقف وحيطان المقهى بنظرات شاردة وتائهة متأملا الزخارف المنقوشة والصور التي علقت هنا وهناك .. وبينما هو كذلك اذ سمع صوتا أجش
يناديه , التفت ليرى من السائل , فرأى جاره وصديق طفولته عدنان والبسمة تعلو محياه ,
" أين أنت يارجل , لم أرك منذ مدة , كيف الحال , وما هي أخبار الدراسة ؟
فرح سامر بمقدم صديقه , فقد كره الوحدة واشتاق لبعض المواساة وتغيير الجو .
" أنا بخير , وأحوالي لا بأس بها .. أحمد الله على كل حال .."
أخذ الأصدقاء في الحديث عن الأهل والأحوال وبعض الأمور الحياتية الأخرى ..
ثم قررا لعب الشطرنج , اللعبة التي كان يبرع فيها سامر ويتفوق فيها على كل غرمائه ..
لكن هذه المرة , فاجأه عدنان بخطة مغايرة وتنقلات لم ينتبه لها ..
" كش مات ! " خاطبه عدنان وبسمة الزهو والفخر والانتصار تعلو محياه , يا الله , لا أصدق نفسي , وأخيرا تغلبت عليك !
أجابه سامر بلا مبالاة , هي المرة الأولى لكن ستكون الأخيرة , خسرنا معركة لكننا لم نخسر الحرب !
أجابه عدنان بسخرية " من فضلك لا تفسد علي حلاوة هذا الفوز , دعني على الأقل أتذوق طعمه ولو لمرة "
علت الضحكات وهزت أرجاء المقهى الذي كان مليئا بالحرفاء , والكثير منهم كانوا من الأجوار والخلان .. مازحوه وأخذوا في معاكسته واستفزازه بلطف ..
أجابهم وابتسامة باهتة ارتسمت على وجهه الطفولي البريء " من هنا فصاعدا , سترون وتكتشفون شخصا آخر , هذه الهزيمة ستجعلني أراجع حساباتي من جديد .. والفارس يتعثر لكنه لا يسقط ! "
غادر سامر المقهى بعد أن أعطى العم محمود ثمن النرجيلة وكأس الشاي وقليلا من البقشيش , ثم ودع أصدقاءه وولى مدبرا الى منزله وهو لا يدري ان كان فرحا أم حزينا ..
هل يحزن لأنه انهزم وهو الذي عرف ببراعته وذكائه أم يفرح لأنه غير من مزاجه المكتئب , خمن أنه أقرب للفرح منه للحزن , هذه الهزيمة ستجعله أكثر اصرارا وستقوي من رصيد عزيمته
وشكيمته . تذكر دعوة جوهر للحفلة , وقرر بكل ثقة أن يذهب بعد أن كان مترددا وخائفا من الذهاب الى مكان ليس مكانه وأناس ليسوا من طبقته ..
لكن كيف سأذهب وأنا لا أملك الا هذه الأسمال البالية التي أرتديها طوال الوقت ؟
"لا بد أن أرتدي ملابس جديدة حتى أظهر بشكل مناسب فلعلي أقابل حنان , معذبة قلبي وأميرة أحلامي .. لا بد .. لا بد ..!
كان صوت آخر يبرز من دواخله المنسحقة , صوت جديد مليء بالتحدي والقوة فلم يشأ أن يقمعه ...




بدأت فكره ذهابه تختمر برأسه وتراود تفكيره وبعد لأي حسم أمره...لكن ماذا سيرتدي إن قرر الذهاب؟ هل سيذهب بقميصه البالي وبنطاله المهترئ ؟ فهو لا يملك سواهما ..
وبينما كان في حيرة من أمره تذكر ابن خالته عماد , سيستعير منه شيئا من ثيابه , لطالما كان عماد مقربا من سامر وبمنزلة أخيه الأكبر , ولطالما كان يطلب منه أن يأتي إليه إن إحتاج أي شيء , ولكن سامر كان يرفض طلب العون لعلمه المسبق أن عماد موظف بالكاد يستطيع أن يصرف على نفسه, فهو يقتصد ليوفي بإلتزامات زواجه الذي إقترب موعده....


ولكن لا بأس إن إستعار منه قميصا , أو جاكيت يرتديه في هذا الحفلة الموعودة ....
ورغم أن عماد , يفوق سامر طولاً ووزناً الا أنه خمن أنه الشخص الوحيد الذي بامكانه أن ينقذه من هذه الورطة , فسامر لم يقبل بالذهاب الى الحفلة الا لأنه فكر بامكانية حضور فتاة أحلامه هناك , فهو ليس بالشاب المتعود على حضور السهرات الحافلة والصاخبة لكن لا مانع من تغيير الجو وكسر الروتين ..
أمسك سامر موبايله بترددٍ, واتصل بعماد...
جاء صوت عماد عبر الهاتف: اهلاً سامر كيف هو حالك...سررت بسماع صوتك ..
كان صوت سامر ضعيفا , وبه شيء من حرج لاح من نبرات صوته المهتزة : أهلا عماد, جيد .. كيف حالك أنت....؟ كنت منشغلا بإختباراتي ...
قال عماد: بخير ...كيف حال خالتي وعمي واخوتك....؟
رد سامر :كلهم بخير ....سكت لبرهة من الوقت ثم قال مهمهما: عماد..... ( وسكت لبعض الوقت )
أجابه عماد بعد أن إستشعر بحدسه ومعرفته بسامر أنه يريد منه شيئا: نعم ....مابك يا سامر ....
هل أنت بحاجة لشيء ما...؟ هل أنت بضائقة ...؟ هل هناك مشكلة...؟ ما بك تكلم يا رجل ....لقد أخفتني ..
قال سامر: أريد ان أستعير منك قميصا و جاكيت كي أحضر بهما لحفل فخم ...
عماد: ويحك يا رجل ....ألهذا متردد ومحرج ! لقد أخفتني ( قالها ضاحكا )..وهل هذا يحتاج لسؤال ؟ تعال وخذ ما تريد ...
إستعار سامر من عماد قميصا فقط, فالتفاوت بين وزنه ووزن عماد حال دون أن يستعير اكثر من ذلكـ , بل حتى القميص كان غير مناسب له وليس مقاسه, ولكن على كل حال هو أفضل من قميصه البالي...
حان موعد الحفلة ...إستحم سامر وصفف شعره بطريقه بدت له جميلة ..
بعد ذلك إرتدى بنطاله الذي أتى عليه الدهر , و لبس قميص عماد, ونظر لنفسه في المرآة , التي كان بالكاد يستطيع أن يتبين ملامحه فيه وقبل أن يخرج تذكر أنه لم يتعطر , فتش في المنزل فوجد قاروة عطر من النوع الرخيص فنثر منها قليلا على ملابسه وخرج قبل الموعد بأكثر من ساعة ... فهو يحتاج لاكثر من وسيلة نقل كي يصل لبيت جوهر , في تلك الضواحي الراقية شمال المدينة والتي تفصله عن بيته القابع في زقاق الفقر مسافة طويلة ... لم يكن يملك ثمن سيارة اجرة فركب الحافلة .. وما تبقى من الطريق , قطعها سيراً على الأقدام...
وصل سامر لمنزل جوهر , وكان الباب مفتوحاً , والضجة تعلو بداخله, وأصوات الحضور من الشباب والفتيات كان يغطى على صوت الموسيقى الصاخبة ,فوالد جوهر مسافر وقد تحين فرصة غيابه لإقامة تلك الحفلة ......

دخل مرتبكا بعض الشيء متأملا البيت ذاته , الذي دخله ذات مرة بطريقةٍ عابرة, تملكه شعور بالرهبة فحاول أن لا يثير الانتباه بدخوله فهو لا يريد لأحد أن يتنبه لوجوده. وجد ركنا بالقاعة الضخمة , المُعدة خصيصاً للحفلات , و قد خلا من الحاضرين , فجلس فيه وهو يتابع المحتفلين بصمتٍ مطبق وحيرة واضحة ....

بدأت عيناه تبحثان عن تلك الفتاة فوجدها , تلهو مع اللاهين , كانت تضحك وترقص مع أصدقائها رقصة السالسا ..
كانت جميلة لأبعد حد, جمال فتان يصعب وصفه, كانت ترتدي فستان سهرة أسود , يكشف عن مفاتنها , وعن بياضها الناصع ,رغم أن الجو كان باردا لم يكن ملاكه محتشما...
أغمض عينيه , لا يريد أن يراها بهذا الثوب الفاضح ...
لا يريد ان يرى أعين الاخرين ,تنهش جسدها الفاتن المغري ..
بقى لفترةٍ من الوقت, يرقب الحاضرين, ويتابع بعينيه ذاك الملاك , بصمت واستحياء ...
كان يبدو وكأنه شبح لا يراه الآخرون , فالجميع كان غير مكترث به وكأنه قطعة أثاث من بين القطع الأخرى التي تصلح للزينة فقط ..

لاحظ توددها بين الحين والاخر لخطيبهاجوهر , كانت تحاول إستثارة إهتمامه بغنجها ودلالها ونظراتها الساحرة , لكن جوهر رغم وجود خطيبته كان يلهو مع الفتيات , غير آبهٍ بوجودها .., اذ كان جوهر شابا عابثا زير نساء همه الأوحد أن يكون محط الأنظار ومحور الاهتمام من الناس سيما الفاتنات منهم... لاحظ سامر علامات الغيرة ,التي بدت واضحة وجلية على نظرات حنان وحركاتها ......

يبدو أنها ورغم كل شيء مغرمة به, فرغم أنانيته ونرجسيته , كانت لديه كل المقومات التي تجذب الفتيات له من وسامة وثراء وجاذبية.....
انقبض قلب سامر وشعر باحساس غامر من الحزن والغيرة في قلبه المرهف , كان يظن في البداية أن حنان شقيقة جوهر لكن تأكد من أنها خطيبته من بعض الهمسات التي استرق سمعها من بعض الحضور ..
اسودت الدنيا من حوله وشعر ببعض الدوران في رأسه , فكر في المغادرة خلسة اذ لم يأبه به أحد ربما كانوا يعتقدون أنه خادم أو جنان القصر .. لوهلة فقد ثقته بنفسه وشعر بالهوان ..

لكن ما خفف ألمه النفسي قليلا هو حنان ,فهو لم يستطع نسيانها وطردها من مخيلته ,
كان يستشعر بحدوث شيء ما سيغير كفة الموازين لصالحه , ربما لعلمه أن جوهر ليس ممن تستهويهم فتاة واحدة .. كان شيء ما داخله يخبره بأن تلك الفتاة ستكون له , وأن عليه التريث ..
كانت حركات جوهر ورقصه مع الفتيات أمرا مهينا لحنان , شعر سامر بذات الأمر من خلال نظراتها وجسدها ووقع أقدامها , كيف لفتاة رائعة الجمال أن تلاقي كل هذا الصد واللا مبالاة !

أصبح الجو خانقا, بسبب دخان السجائر ورائحة الخمور التي تزكم الأنفاس , كان الجميع بوضع غير طبيعي , بسبب إسرافهم بالشرب....
وأخيرا قرر سامر أن يغادر البيت ,بنفس الهدوء الذي دخله .
هم بالخروج فتصادف مع جوهر , وكان الأخير قد فقد إتزانه , بعد أن أسرف بالشرب وتخمر على وقع أنغام موسيقى التكنو الصاخبة والمجنونة ..
صرخ جوهر ضاحكاً وبكلماتٍ ثقيلة و ثملة حينما رأى سامر: أنت هنا يا رجل .....وإنفجر ضاحكاً ..
لم يعرف سامر سبباً لضحكه..فقال له بهدوء: نعم قد جئت وسأذهب الآن .....
فقال جوهر بنبرة استهزاء: الحفلة لم تنته بعد...بل ربما ستبدأ الآن (...)
قال سامر: من الأفضل أن اذهب فقد حضرت لأجلك ...
فقهقه جوهر قائلا: لأجلي.......!!!
وهل حلمت يوماً أن تحضر حفلة كهذه أيها البائس....؟ كان جوهر ثملا ومسلوب العقل جراء جرعات السجائر المخدرة التي دخنها وكؤوس الخمرة التي شربها فانكشفت حقيقة شعوره تجاه سامر وهو شعور ممتزج بالكره والاحتقار ..

إنتبه الحضور لما يحدث بين سامر وجوهر بسبب هستيريا ضحكاته ,فسرت عدواها بين الحضور , وبعضاً من الفضوليين ,تحلقواحولهم وكانت حنان من بين تلك الجموع ...
ودون أي إكتراث من جوهر خاطب سامر بكل برود , وبطريقة مستهزئة :...كم انت أحمق يا سامر, لتحضر فقط لأجلي ....ثم دعني أرى ....ما هذه الأناقة يا رجل وإنتابته نوبة ضحك عالية , من أين أتيت بهذا القميص ...؟ لأول مره أراك بقميص آخر ....

بدأ عقل سامر بالدوران وبدأ يفقد التركيز والسيطرة على أعصابه , وتلاشى كل شيءٍ من حوله.

اقترب منه جوهر , وهو يترنح ,وشده من قميصه , وهو مستمر بالضحك , فحاول سامر مقاومته ومسك اعصابه ....
قال جوهر :دعني أرى ماركة قمصيك .....وصرخ بالجميع .
" سامر يرتدي قميص من بيير كاردان ... " فقهقه الجميع بضحكات هسترية ....
وبطريقه عفوية وحركة تلقائية إلتفت سامر نحو حنان , و قد أشتعل الغضب برأسه , وتصاعد الدم لوجنتيه وشعر بضيق النفس , وكأن سهما غادرا قد أصابه بمقتل ....

فقد بدأت قلاع صموده تتداعى , وجيوب تماسكه تضعف وتنهار, وشعوره بالحرج الشديد جعله يتمنى لو الارض بتلك اللحظة إنشقت وابتلعته ......

كاد ان يسدد لكمة قوية لوجه صديقه أو بالأحرى غريمه المخمور المتعجرف..ولكنه إحتاج لجهدٍ كبير , كي يتمالك نفسه كي لا يصفعه صفعة قوية انتقاما لكرامته المهدورة ....وهم بالخروج غاضباً من الحفلة ,فسمع أحد الحضور يقول تعليقاً على ما قاله جوهر : يبدو أنه إستعاره من بواب عمارة عمتي ....وعاد الجميع للضحك ..
وما بين غضبه , وإستهتار الجميع بمشاعره , وقراره الرحيل من هذا المكان العفن ,لمح حنان تقف بمنأى عن الجميع , ويعلو وجهها السخط ,والغضب الشديد , وتنظر لخطيبها بنظرات إحتقار , تختزل بها , مقدارا كبيرا من الكراهية والسخط وتنتقل بنظراتها لسامر , كانت نظراتٍ بها موآساة وشعورا بالشفقة عليه ....

أبعد سامر جوهر من طريقه , بقوة وعنف , وحاول ان يشق له طريقا بين صفوف الحاضرين العابثين .... فسمع أحدهم يقول : دعه يا جوهر يذهب , فأمه المسكينة تحتاج لمن يُساعدها في غسل الصحون .....وقهقه الجميع بضحات ماجنة و مخمورة ...

لم يطق سامر السكوت, فإنفجر صارخاً : أيها الجبناء, أيها التافهون , أيها الفاشلون الأغبياء, أمي أشرف من أشرفكم ....وأطهر من أمهاتكم , وأنقى وأنظف من مجتمعاتكم القذرة !!
ومضى مسرعاً خارج البيت , والشرر يتطاير من عينيه وأصوات ضحكاتهم تُلاحقه ,كانت النار تشتعل في قلبه سريان النار في الهشيم , وقد راودته نفسه أن يقتل احدهم ....
مضى بسرعةٍ فسمع صوتا من خلفه يناديه
سامر ......... سااااااااااامر...........
حاول أن لا يرد, ولا يلتفت , ولكنه عرف الصوت , فأدار وجهه بغضب واضح.....
فوجد حنان تلحق به ,وقد وضعت شالا أسود على كتفيها ,كي تستر بها جسدها العاري من برد الليل.....
فتوقف عن السير.... و الغضب يتملكه......وضجيج الحفلة ما زال يرن بأذنيه .....
فقالت له : "أريد ان أعتذر لك , عما بدر من جوهر , ومن الحاضرين ...."
أخفض رأسه , وتمالك نفسه , قائلا وأنفاسه تعلو وتنخفض بصدره : لا داعي لاعتذارك , فلست مذنبة بما صدر عن خطيبك وضيوفه ...ثم لماذا تعتذرين ..أمن باب الشفقة..؟

ثم إستطرد في كلامه الثائر : الذنب ذنبي أنا , لأني قبلت أن أحضر لهذا المكان القذر,فهذا ليس مكاني , ولا مقامي ,فقد أخطأت حين أتيت.....
قالت له وصوتها مشبع بالحنان: أرجوك يا سامر لا تحزن , بسبب ما قالوه , فهم مجرد مخمورين , لا تلق بالا لما قالوه...أرجوك !
رد عليها بعد أن هدأ قليلاً: اكثر ما آلمني هو ما فعله جوهر وهو صديقي أو ربما كنت أظنه كذلك, اذ جعل مني أُضحوكة للآخرين ...
قالت له : جوهر رغم قسوته الا أن فيه بعض الطيبة , نعم هو انسان عابث , لكن بداخله طفل صغير شقي ,وأنا متأكدة أنه سيأتيك ويعتذر عما بدر منه , اعذره يا سامر فهو مخمور والخمرة لعبت برأسه ( كانت حنان تحاول ايجاد الأعذار لتخفف من وطأة غضبه )

فاجأه حديث حنان عن خطيبها رغم أنه إفتعل الدهشة..لم يتصور أنها تحبهُ نظراً لسوء معاملته لها ....

فقالت له: أنا أعرف جوهر عن قرب, وقد أُغرمت به ...لأنني أعرف ما في أعماقه ...رغم إستهتاره إلا انه طيب ....

فقاطعها سامر : وهل هو مغرمٌ بكِ.... ؟

فردت عليه: بكل تأكيد هو يحبني , ولكن بطريقته المشفرة , وأنانيته المطلقة , ولو لم أكن متأكدة من حبه لي , ما بقيت معه للحظة.....سكتت بعض الوقت وكأنها تحاول أن تصدق نفسها ..
" جوهر ولد مدلل, إعتاد على الحياة السهلة واللهو , لذا وكما تراه يسير وفق معاييره السطحية....وبمزاجية متناقضة ....

قال لها: أتحبينهُ لهذا الحد , كي تقبلين العيش بين مائه ويابسه ...؟

قالت له: ما زلتُ أتفيأ الامل في أن يصح حاله وأتعاطي عقاقير التفاؤل , وأتغاضى عن سلبياته , ربما بعد الزواج يختلف حاله ....

نظر إليها سامر , ومسحة التعب تبدو على عينيه بعد هذه الليلة القاسية ,وكان القمر منعكسا على وجه حنان ,مهيلا بخطوطٍ من نورٍ لِيضفي عليه جمالاً وألقا و سحرا .

تنهد سامر قائلا:لا أعرف ..... أنتم الأغنياء , تعيشون وفق أهوائكم , حياتكم تختلف عنا نحن الفقراء ومبادئكم كذلك ..

بصراحة علاقتك بخطيبك , غريبة بعض الشيء....

قاطعته قائلة : أعرف أنه زير نساء , وأنا اتغاضى عن لهوه , وعن نزواته , لأني أحبه , وبعد الزواج ستيغير حالنا , ولن أسمح له ان يبقى على هذا الحال ...




"يبدو أنكِ تجهلين حقيقة جوهر و ما يخفيه ..!
يكفي أن تتأملي عيونه و نظراته كيف كانت تفترس الأخريات ..
و أردف قائلاً :
" اليوم اكتشفت حقيقة جوهر , كنت أظنه صديقا مخلصا لكن ظني لم يكن في محله , لم يكتف باهانتي بل جعلني أضحوكة يهزأ منها خلانه ورفاقه .. كنت أؤمن بالمثاليات لكن تبين لي زيفها .
لا يوجد أصدقاء في هذا الزمن الرديء. أما أنت يا حنان فعليك أن تحذري من غدر الرجال , فالوفاء أصبح عملة نادرة ... "

ابتسمت حنان ابتسامة أقرب للسخرية من كلام سامر
وقالت بغرور عاشقة :
" سيعي جوهر يوما ما أني مستعدة أن أهبه روحي من أجل استمرار حبنا و ليكون عالمي وملاذي الوحيد ..لما يدرك ذلك وقتها سنكون أسعد اثنين ..." وأضافت "ببساطة إنه الحب , أحيانا نعجز عن تفسير حقيقة مشاعرنا "
أحس سامر أن حلمه يتهاوى من بين يديه ، فحبيبة قلبه متيمة بغريمه اللدود ولا ترضى من دونه أحدا .. ( هكذا فهم من كلامها )

ثم قال لها محاولا السيطرة على مشاعره: " الحب مغامرة قد تفقدك رونق الحياة ، أو قد تمدُ لك في السعادة مداً لا يُطال طرف بهائه.. "
أدار ظهره ، و رحل بكبرياء لم يعهده من قبل و لم يكلف نفسه عناء سماع ردها عليه حاملاً معه ناراً أضرمها الحب و رجفات قلب عبث به الخوف و صوتا يختنق بالبكاء الصامت .
سار بخطوات مضطربة ومتعثرة لمسافة طويلة.. اغرورقت عيناه بدموع ساخنة حزينة , حاول أن يكتمها بلا جدوى .. شعر وكأن طعنة خنجر انغرست في قلبه المرهف الرقيق ..
في حياته كلها لم تهن كرامته الى هذا الحد , ولم يشعر بالهوان والذل قط الا في هذه الليلة الحزينة .. ظل يمشي وفكره شارد لا يدري أين ستكون وجهته ..وبينما هو هائم على وجهه
اذ به يسمع صوت سيارة هادر آتيا من ورائه
و اذ بصوت أنثوي رقيق يناديه
" سامر , سامر انتظر "
التفت فلمح حنان وراء المقود وهي تدعوه أن يركب معها . لبث لبرهة صامتا متسائلا في قرارة ذاته عن سبب مجيئها ثم سرعان ما فتح باب السيارة وجلس بجانبها "
" لا يمكن أن أتركك على هذا الحال , ربما لن تجد وسيلة نقل في هذا الوقت المتأخر وجوهر سكران لا يستطيع ايصالك للبيت وحتى ان أتى فربما كنت سترفض طلبه .. أرجوك سامر دعني أوصلك للبيت فأنت مرهق وحالتك غير طبيعية ..
" رغم كل ما حدث لي , فلن أستطيع رفض طلبك , لقد كنت لطيفة معي وأنا ممتن لشعورك النبيل "
" سامر , أنت شخص رائع , لا تفقد ثقتك بنفسك أرجوك .. لا ينقصك شيء .. رجولة ووسامة , ذكاء وثقافة .. أريدك أن تكون شامخا كالجبال لا تهزك الرياح ولا الأعاصير ..
صدقني , ارتحت لك منذ أن رأيتك للمرأة الأولى
وكأني أعرفك منذ زمن طويل .. انس أمر جوهر وعبثه فيستفيق من غفوته وسكره وسيتفطن لفداحة خطئه .."
كانت حنان تنظر في عيني سامر بكل رقة الى حد أنه تخيل نفسه في حلم رومانسي جميل
سكت لدقائق ثم أجابها محاولا بكل جهده اظهار عدم اكتراثه
" لا أريد منك ومن غيرك أي شعور بالشفقة , سأبتعد عن عالمكم الزائف وسأعود الى عالمي الصادق رغم بؤسه وتعاسته .."
ردت عليه حنان وقد انتابها بعض الغيظ
" لا يا سامر , ليس شعورا بالشفقة اطلاقا ,
لسنا أفضل منك كي نشفق عليك .. حتى وان كنت فقيرا فالفقر ليس عيبا أو عارا , ثراء الانسان في فكره وأخلاقه لا في ماله وحسبه ,
دع عنك كل هذه الأفكار الهدامة "
فاجأه كلام حنان وأصابه بصدمة كان وقعها سارا على كيانه , لم يتوقع من ملاكه الفاتنة أن يكون تفكيرها هكذا , كان دائما يظن أن هذه الطبقة من الناس منعزلون عن واقع البسطاء أمثاله , لا يأبهون لحالهم ومنكفئون في برجهم العاجي الذي لا يمكن للفقراء تخطي أسواره بل كان يعتقد اعتقادا جازما أن الفتيات الجميلات لا يمكن أن يصدر منهن كلام ذا عمق ودلالة . أحس ببعض الانتشاء وبروحه وكأنها عادت الى جسده .
درات في مخيلته الكثير من التساؤلات , لم يجد لها اجابات واضحة . لم تكن ليلة عادية , اذ عاش فيها أقوى المشاعر تناقضا واختلافا , لم يكن يتخيل بعد كل ما حدث له , أن يكون وجها لوجه مع سالبة لبه وعقله وأميرة أحلامه ويقظته , لا بل الأدهى أنها تبتسم له وتقول له كلاما أقرب للغزل .
اقتربت السيارة , بعد مسافة طويلة , من حيه الفقير , فأمر سامر حنان بالتوقف فهو لم يرد أن تتعرف على منزله البائس , مازال يشعر بالنقص بالرغم من كلام حنان المواسي .
" تصبحين على خير يا حنان وأشكرك على كلامك وموقفك النبيل , ممتن لك كثيرا "
" لا يا سامر , أنا التي يجب أن أشكرك , لأنني تعرفت على انسان رائع مثلك , اعتبرني من هنا فصاعدا صديقة مقربة لك . تصبح على ألف خير ."
ودعته وقفلت راجعة لمنزل جوهر حيث الحفل مازال مستمرا , عليها العودة بسرعة لأنها تأخرت ولم تخبر جوهر , لو يعلم فسيتصرف بتهور كعادته فجوهر رغم طيشه وتجاهله في بعض الأحيان لحنان الا أنه شديد الغيرة وسيكون وقع الأمر أشد في حال لو علم أنها أوصلت سامر لمنزله , فقد تبين جليا أن جوهر بالرغم من الفروقات الاجتماعية يغار من سامر , ربما لأنه يدرك أنه أفضل منه خلقا وأعلى منه ذكاء ..
في طريقها للمنزل , شغلت أغنية ويتناي هيوستن " I will always love you "
واندمجت معها ... كانت تتذكر ما حدث بينها وبين سامر , تذكرت كل الكلام بالتفصيل الممل بل حتى سكناته وحركاته ونظرات عينيه ..
ابتسمت وهي تتخيل وجهه الطفولي البريء
وتصرفاته التلقائية , شعرت بمدة تناقضها مع قسوة جوهر ورعونته ..
لم تجد تفسيرا لسبب اهتمامها بسامر , فهي مازالت تحب جوهر , هل هي الشفقة فعلا كما ظن سامر أو ربما شيء آخر مازالت لم تدركه .. تملكتها الحيرة وأخذتها الى مكان قصي بعيد ..
بعد زهاء ساعة وصلت لمنزل جوهر , لم تعلمه بأمر ايصالها لسامر وتأخرها ربما سجعل جوهر يعتقد أنها قد عادت لبيتها , ففضلت أن تسلم عليه قبل أن تقفل عائدة لمنزلها .
ركنت سيارتها الالفا روميو الحمراء في حديقة المنزل ودخلت بهدوء , كانت الأضوات خافتة
ولا يسمع أي صوت , يبدو أن الحفلة انتهت
, خمنت حنان بينها وبين نفسها .
دلفت لقاعة الجلوس , فلم تجد أحدا .. كانت رائعة العطور والخمور تملأ الأرجاء , والمنافض ممتلئة بأعقاب السجائر .. يا ترى أين جوهر ؟
هل أعود للمنزل من دون الحديث معه حول ما حدث بينه وبين سامر ؟
سمعت صوتا خافتا من بعيد ونورا باهتا في الطابق العلوي فذهبت الى هناك بخطوات بطيئة فلعل جوهر هناك , كانت تريد مفاجأته
فلعله غط في النوم بعد السهرة الصاخبة التي قضاها ..
وصلت الى باب غرفته حيث كان يسمع من داخلها صوت أغنية رومانسية هادئة , أدارت المزلاج وفتحت الباب ...
"جوهر .. جوهر ها قد أتيت " قالتها وهي تحاول كسر هذا الصمت الرهيب .
وفجأة رأت جوهر لكن .. لم يكن وحده بل كانت معه صديقتها لينا وهما يتبادلان القبل الحارقة في وضع جنسي فاضح .
" حنان ! " صرخا الاثنين وهما يحاولان ستر جسديهما العاريين .
وقفت حنان في مكانها مشدوهة , كانت آثار الصدمة أقوى من أن تتحملها .
صرخت بأعلى صوتها " خااائن .. خااائن !! نذل .. نذل !! "
أجهشت بالبكاء وعلا صدى صراخها أرجاء المكان الهادئ ثم أخذت في الجري للخارج لا تلوي على شيء .
كان صدمة كبيرة لم يقو قلبها الرهيف على تحملها ..



كان وقع الصدمة على حنان كبيرا ومزلزلا فهي لم تتخيل أبدا أن تصل علاقتها مع جوهر هذا الحد من البشاعة والخيانة رغم علمها أنه شخص ينقاد بسرعة وراء رغباته ونزواته الطائشة . كانت تتصور أن علاقة حبهما أقوى من أن تزعزعها الأعاصير لكن ظنها خاب هذه المرة . خيانته لها مع صديقتها لينا ضاعف من عذاب ووطأة هذه الفاجعة التي رجت كيانها ونفسيتها الهشة .
منذ صغرها كان ابن عمها جوهر يتقرب منها ويبدي لها عشقه وهيامه بها وبارك هذا الأمر الأهل والأقارب ... عاشا أحلى فترات حياتهما مع بعض ورغم بعض الخلافات العابرة الا أن الجميع كان يشيد بهذه العلاقة العاطفية ويباركها ..
ما الذي تغير ؟ وما الذي دفع حبيبها لطعنها من خلف وغدرها وهي التي
لم تعرف حبيبا غيره - تساءلت حنان بينها وبين نفسها والدموع تنهمر من مقلتيها .

كانت الظُلمةُ حالكة الا من بعض النور الباهت المنبعث من أعمدة الانارة في الشارع الرئيسي وكان رذاذ المطر المتساقط أشبه بسنفونية حزينة تحاكي وقع الحزن والغضب الجاثمين على صدرها. خرجت حنان مُسرعةً من البيت , تركضُ على غير هدى ...
مضت بخطوات متسارعة وغير متزنة وبرودة الليل تنهشُ جسدها . شعرت أن الكون يتلاشى من أمامها ... كانت تُجهش ببكاءٍ مُريع , وأنفاسُها تتهدجُ بقسوةٍ في صدرها....

ما زال المشهد يتراقص أمام عينيها ويتكرر بأفكارٍ عشوائية وبصورٍ مُتداخلة تُفجرُ في روحها الحقيقة التي كانت لا تريدُ رؤيتها ...
فالضربةُ كانت أقسى من أن تتحملها اذ كانت كخنجرٍ تمادى في الولوغِ الى قلبها ....
كان سكون الليل مخيفا بينما كانت تسمع وقع خطواتها التي تشبه نحيب قلبها المرتجف حزناً وكمدا...
توقفت عند شجرةٍ تلتقط أنفاسها , وتُكفكف دموعها ....
مُتسائلةً ...ربما هذا كابوس وليس حقيقة ...

كانت حنان تسعى في محاولة يائسة للهروب من واقعها الأليم الذي كان يبدو فيما مضى زاهيا ومبشرا بحياة سعيدة مع فارس أحلامها .
في ذات الوقت كان جوهر في غرفته مع عشيقته اللعوب يتحادثان حول ما جرى وما عليهما فعله . كانت عودة حنان للمنزل واكتشافها لخيانته أمرا غير متوقع بتاتا وأيقظ جوهر من حالة الانتشاء والسكر التي كان يعيشها مع رفيقته .
انتبه قليلا لهول ما حدث لكن كانت لينا تحاول بكل خبث , التقليل من هول الواقعة .

" لا تجزع يا جوهر , فأنت مهما حصل , رجل ولك الحق في الترفيه عن نفسك . ستغضب قليلا ثم ستعود راكعة اليك , فهي لا تستطيع ترك شاب وسيم وثري مثلك . كن قويا كما عهدتك ولا تهتم لأمرها . "
أجابها جوهر وهو في حالة حيرة .
" لا تنسي يا لينا أنها خطيبتي وابنة عمي , وأخاف من أن تخبر أبي وعمي بالأمر فيحرماني من المصروف . والدي شخص عصبي وقاس ولا يتهاون مع مثل هذه الأشياء وقد سبق له أن نبهني العديد من المرات أن أحسن معاملة حنان .. كل هذا بسبب ذلك البائس ووجه الشؤم سامر , حضر هنا وحضرت معه كل مشاكل العالم .. تبا له "
وأردف بكل غرور " علي اللحاق بها , أنا الآن في فوهة المدفع وعلي أن أراضيها وأطيب خاطرها , أعلم أنها مغرمة بي وستقبل اعتذاراتي في النهاية . مكره أخاك لا بطل ..... والآن دعني أقبلك من شفتيك اللذيذتين قبل أن ألتحق بها .. لقد فوتت علي تلك البلهاء نشوة كبرى ."

ضحكت لينا بكل غنج وخبث " مستعدة أن أعطيك أكثر من ذلك ان شئت . .. فقط لا تقلق ولا تهتم كثيرا لهذه المسألة التافهة ."
ثم ضحكت ضحكةً متهكمة قائلةً:هل أحضر معك لأُوضح لها الأمر .....؟ "
نظر إليها جوهر شزرا وقد شعر بتهكمها ولامبالاتها بما حدث: " ألا يُمكنكِ أن تُوفري سُخريتكِ الآن ...فأنا في وضع سيء للغاية وموقف أتصوره سيُشعل سعير الحرائق بيني وبين أبي وعمي ....."

ارتدى جوهر ملابسه بسرعة بعد ذلك وتبعته عشيقته الماجنة بحثا عن حنان .
كانت حنان قد تعبت من الركض فجلست على مقعد في الحديقة العمومية التي لا تبعد كثيرا من منزل جوهر . كانت أنفاسها لاهثة ومتقطعة ونشيجها يكاد يقطع أوصالها ونبض قلبها يتسارع بشدة الى حد خيل لها أنه سينفجر من مكانه كبركان ثائر ..
خرج جوهر مسرعا من المنزل بعد أن تأكد من أن سيارة حنان مازالت مركونة في مكانها ... فكر أنها في مكان قريب من المنزل تبعته لينا مهرولة محاولة ادراكه فقال لها بنبرة آمرة : "عودي لبيتك الآن , علي اللحاق بها حالا فأجابته لينا وقد بيتت أمرا, بإصرار قائلةً: " سأحضر معك ..وسنقول لها لم نكن بوعينا ...."
فقال لها جوهر : "حسناً اصعدي للسيارة , رغم أني أشك أن وجودك سيحل المشكل بل أظنه سيزيد من تعقيد الأمور ...."
إنطلق جوهر بسيارته كالمجنون وهو يقول للينا : ابحثى عنها بعينيك في كل مكان لا أخالها ابتعدت كثيرا عن المنزل .."
وما زال يتمتم كالمجنون " يا إلهي أي مأزق هذا ؟ أبي سيقتلني ...
لا أعرف إن كنتُ سأخرج بسلام من هذه الورطة !! "


كانت حنان تُفكر بما حدث لها وبفعل الإرهاق وبرودة الليل بدأت تشعر بدوارٍ ثقيل .جلست على مقعدٍ في الحديقة العامة كي تلتقط أنفاسها وتستعيد وعيها . ما زالت الأسئلة تتكسر على أعتاب قلبها , أسئلة لم تهتد لأجوبتها ...
و
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
Θ●Θ عذابــــــــ الحبـــــــــــــــــــــــــــــ - قصة جماعية Θ●Θ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
rigala :: ლ ლ ლ ლ ლ رومـ،ـ انـ سىლ ლ ლ ლ ლ-
انتقل الى: